الشيخ محمد الصادقي
123
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
بصورة التساءُل والتقاول كما هي دأب القرآن في تجسيم الحقائق البعيدة عن الاحساس ، حيث يصورها المحسوس قولًا وسواه . وقد وردت روايات حول الذر وعالمه متهافتة متضادة مع بعض ، معارضة مع الآية ، وبجنبها أقوال وآراء غريبة قلَّما يقرب منها منطوق الآية . لذلك ، ولكي نكون على بصيرة في مغزى الآية ، علينا أن ننظر إلى « عالم الذرية » من زاوية الآية نفسها بكل امعان ودقة : مع العلم المسبَق أن « الذر » هي النمل ، وليست الذرية ! ولا نجد في القرآن كله الّا « ذرة » و « ذرية » وهما من أصل واحد ، مهما اختصت الثانية بقبيل الانسان ، فقد أوغلوا في الخطأِ في تفسير آية الذرية لفظياً ومعنوياً . قد يشهد بعض بالآية أن هناك قبل خلق الانسان له كيان الذر ، وعالمه عالم الذر ، لمكان المسائلة : « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » « 1 » ولكنما التأنّق في سائر مضمونها يدلنا إلى أن تلك
--> ( 1 ) - / قال الشريف المرتضى في أماليه ( 1 : 28 ) وقد ظن من لا بصيرة له ولا فطنة عنده أن تأويل هذه الآية أنالله تعالى استخرج من ظهر آدم عليه السلام جميع ذريته وهم في خلق الذر ، فقررهم بمعرفته ، وأشهدهم على أنفسهم ! وهذا التأويل - / مع أن العقل يبطله ويحيله - / مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه لأن اللَّه تعالى قال : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ » ولم يقل « من آدم » وقال « مِنْ ظُهُورِهِمْ » ولم يقل من ظهره ، وقال : « ذُرِّيَّتَهُمْ » ولم يقل « ذريته » ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة : انهم كانوا عن ذلك لغافلين ، أو تعتذروا بشرك آباءهم ، وأنهم نشئوا على دينهم وسنتهم وهذا يقتضى أن الآية لم تتناول ولد آدم عليه السلام لصلبه وأنها انما تناولت من كان له آباء مشركون ، وهنا يدل على اختصاصها ببعض ذرية بني آدم فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم - / فأما شهادة العقول فمن حيث لا تخلوا هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام فخوطبت وقررت من أن تكون كاملة العقول ، مستوفية لشروط التكليف ، أو لا تكون كذلك فان كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وانشائهم واكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال وما قرروا به واستشهدوا عليه ، لأن العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى ، وان بُعد العهد وطال الزمان ، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم وسائر أحواله ، وليس أيضاً لتخلل الموت بين الحالين تأثير ، لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان تخلل النوم والسكر والجنون والاغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم لأن سائر ما عددناه مما ينفى العلوم مجرى الموت في هذا الباب ، وليس لهم أن يقولوا : إذا جاز في العقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولة جاز ما ذكرناه ، وذلك انما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادّعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى لهم وهم كاملوا العقول ، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه ، على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الفرض في الآية وذلك أن اللَّه تعالى أخبر بأنه انما قررهم وأشهدهم لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك ، وسقوط الحجة عنهم فيه ، فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها ، وان كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم واشهادهم وصار ذلك عبثاً قبيحاً يتعالى اللَّه عنه . . » .